فاطمة كذات طبيعية لا تعرف كيف شكل منها الوجود إنسانا متحدا .متحديا .فذروة السرور عندها هو الولوج إلى أعمق حالات الألم .. تتذكر في يقظة متوقدة كمشعل أزلي المدينة البيضاء التي تعرفها جيدا كانت تقف عشرات المرات في طوابيرها..........من الخباز إلى أخر زقاق في حيها الشعبي ذو الساحة المثقلة بالغبار و الأزبال , ساحة خدشتها هشاشة الحياة التي تسكن حيها الشعبي البسيط. تقف فاطمة أمام النافورة الممتدة على مفترق الشوارع التي تعرفها جيدا .تعرف حتى أسماء عاهراتها و متسكعيها , والنائمين على جنباتها .............. وأعيان المدينة وموظفيها , وخادمات البيوت الصغيرات النحيلات المتعبات بالأشغال المنزلية. .. وبوليسها الذين تعرفهم والذين لا تعرفهم حين يطاردون الباعة المتجولون.. و التلاميذ العائدون من المدارس ورؤوسهم الصغيرة الدائخة , الحالمة .ينتظرون إضراب هيئة التدريس ليرتاحوا من مدرسة التاريخ والجغرافيا و مدرس الحساب ...... تمرر فاطمة أمام أعينها شريط ذكرياتها , مشهدا ,مشهدا وهي تعبر من شارع إلى شارع ومن زقاق إلى زقاق............ طوت المدينة [الغول ] _كما كان يقول أبوها الحارس الليلي في إحدى فيلات المدينة لأسرة يهودية_ جسدها المتعب لتجدها واقفة أمام بيتها القديم المتواضع في أخر الزقاق داخل حيها الشعبي أو كما تسميه يافطة صغيرة معلقة في أول الزقاق [ حــــي الأحلام ] ***************************************************************** _..آه كيف يعيشون ؟؟؟؟ _ تعالي فاطمة الكسكس أصبح باردا كعشاء العزاء _المدينة الغول .ليلها الصاخب / البارد كحد نصل السكين ......إستطرد قائلا : إفتحي التلفاز صغيرتي.. الأخبار تتقاطر...و تتوزع بشكل رتيب و متسلسل من فلسطين إلى لبنان مرورا بأفغانستان و العراق ....فرغبات المشاهدين .....وأخبار الموضة و رجال الأعمال .......الدعاية لشركات الغرب الرأسمالي ..وأخيرا تظهر إحدى مطربات العصر في مشهد إستريبتزي .." عايزة أفرح..................عايزة أرقص..........." يخرج الأب مودعا أسرته الصغيرة مقبلا طفلته ذات السبع سنوات على جبينها ولما غادر ضربت الطفلة على رأسها :آه نسيت أن أطلب منه أن يحضر لي معه حذاءً أسودا وبضعة أقلام الرصاص. مسحت الأم خصلات الطفلة قائلة : في المرة القادمة سيحضر لك كل شيئ . ********************************************************************** بل كانت المرة الأخيرة التي يودعها فيها .. لم يعد الأب وفاطمة لم تشتري حذاءها الأسود و لا أقلام الرصاص ..تتذكر فاطمة المشهد و هي المتعبة بجولاتها عبر أزقة المدينة وأحيائها .. إقتربت من بيتها القديم واضعة رأسها على دفة الباب المقفلة ..لتفا جئها أغنية أمها وهي تدلك العجينة ..وسط الغرفة الضيقة , مشمرة على ساعديها , عاصبة رأسها بمنديل وردي كأحلام إبنتها ذات الثانية عشر من عمرها .... تتابع فاطمة المشهد كأنها تعيشه لأول مرة ..متمتمة : ما ذنبكن أيتها الأمهات ؟؟؟؟ شرعت الأم في تحضير العجينة لخبز الصباح .....................تدلك.........تدلك..........ليمتزج صوت دلك العجينة بأغنية حزينة يتردد صداها من بين جدران البيت المتواضع ....تخرجها الأم نبرات من بئر جمري مشتعل من داخلها ..و الطفلة تغالب النعاس .....تغالبه ..تتابع حركات أيادي الأم و صوتها .............و حين نامت أخدتها إلى الركن المقابل للغرفة. _نامي حبيبتي عليك أن تستيقظي باكرا.......غذا تنتظرك الإمتحانات.... ********************************************************************* ذات يوم قررت فاطمة أن تدخل المدينة بجسدها النحيل الشاهد على المحنة التي كانت فيها كقوة الحصان البري أو الشلالات الجارفة. كانت تعرف ان المدينة ليست حيها الشعبي ذو الساحة المغبرة ..و القطط و الكلاب الشاردة... _ لا يا صغيرتي ما زلت غير قادرة على الزحامات والوقوف في الطوابير إهتمي بدراستك و سأوفر لك كل ما تحلمين به _ أمي لا تخافي علي سأعبر كل هذا اللهيب المشتعل , وسأساعدك على مضغة الخبز وأتابع دراستي ..وأحقق كل أحلامي وأحلامك .... ******************************************************** كانت فاطمة تتدفق بالتلقائية و الصرامة في نفس الوقت كما الأن _.هي مشاعر ذات إنفعال هائل تعجز اللغة عن _رصده .فالخوف يمتزج بالشعور العذب و عذاباته الداخلية تخطت الألم الذاتي إلى الإحساس الحاد بالمصير الإنساني الفاجع . حينما تتذكر ذات الصباح الذي دخلت فيه إلى المدينة و على رأسها سلة الخبز والرغيف و في يدها دفترها وبضعة أقلام ., وهاته الشوارع التائهة و الأرصفة الممتلئة بأصوات الأطفال الفقراء منهم: " بائعي السجائر .....أو بائعي الورد .....أو, بائعي .الحلوى ...أو ماسحي الأحذية...." إن هذا التيه الذي فيه هؤلاء يدفعهم هائمون دون وعي : أيغوصون في الوحل و العار, أم يتقدمون إلى الضياء والفرح ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ و في أخر المشهد تستقل فاطمة سيارتها الفخمة متمتمة بترنيمة حزينة تتبعها تنهيدة عميقة ...::: أكل هاته الفراشات الجميلة ستعبر اللهيب ؟؟؟؟؟
السبت, 12 يناير, 2008
و تغادر إلى مدينتها الجديدة و حيها الراقي تاركة
السؤال مشرعا على جميع الإجابات
توفيق توفيق
::إهداء خاص
لأرواح كل الطفولة العذبة
أضف تعليقا
اضيف في 21 يناير, 2008 07:58 م , من قبل toufiverage
من المغرب
من المغرب

حضور ك نزهة ها هنا
له الألق و ميادين الجوري ....فواح عطرها لروحك النقية أختي
هو العبور كيفما كان يسمى عبورا
أن نحترق أن نخدش أن نهان أو نجرح .......
المهم لا زم علينا العبور مهما كلف الأمر
هي أمانة حملناه و لا يهم الفوارق ..أو التصنيفات
لنعش لهذه الأمة و هذا الوطن كفراشات حالمة قادرة الإختراق ............
دمت بكل ود نزهة
لك أطيب المنى ..مساءاتك الورد و النقاء
اضيف في 06 فبراير, 2008 06:51 م , من قبل aicha852006
من المغرب
من المغرب

اخي الكريم
جعلتني أسافر مع كلمات هده القصة الرائعة
رائع اخي ودمت مبدع....

أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














من المغرب
أكل هاته الفراشات الجميلة ستعبر اللهيب ؟؟
كثيرون يخترقون فيحترقون
لكن اتعرف يا صديقي اين المشكلة ؟ المشكلة في تلك الحواجز بين عالم فاطمة و العالم الاخر..
تلك الحواجز بين الفقراء و الاغنياء
تلك الحواجز بين الانسان و الانسان
نعود لسؤالك : كيف عبرت الفراشة لهيب الحرائق؟
قد نعبر لكن قد لا نصل كما كنا لا نصل فراشات أبدا..
دام نبضك توفيق